أحمد بن محمد ابن عربشاه
92
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وأضرط بها ورقرق « 1 » وطفر وصفق ، وقال : عصب الرأس الصحيح من الحبل الصريح ، والتعرض لموارد الفناء من دلائل البلاهة والعناء ، ولو تعرضت لشبكة الصياد حكمت على عقلي بالفساد وحاشى فكرى المصيب ورأيي النجيح النجيب ، أن أجلب لنفسي مرضا وأصيرها سهما للصياد وغرضا ، ولو فعلت ذلك لتصديت للمهالك ، وتصدّى لي الصياد فعادانى ، وترصد لي وآذاني ، وحفر بالمعول وكرى وأوقد النيران في جحرى ، فسلبنى قرارى وبغيتي ومسارى ، وأقل الأقسام أن يجلينى عن ديارى ، إن خلصت من الموت بسلام ، ولا أستطيع بعدها المقام وقد قيل : لا تسلك غير طريقك ولا تصاحب سوى رفيقك . وأما أنا فما لي بصداقتك حاجة ، فدعى عنك الطمع واللجاجة « 2 » ، ثم هز عطفيه « 3 » ونظر إلى كتفيه ، وتبختر في مشيته وتمايل في غشيته « 4 » ، وولى في تيهه وكبره يريد الدخول في جحره ، وقد ترك الظبي آيسا في حبائل فكره وضره ، وحبائك شدائده وشره ، فقيض الله حدأة خطفته ونبأت به في الهواء نبأه « 5 » . وأما الظبي فلما أيس من الجرذ وإعانته ، توجه إلى الرحمن بكليته ، وقطع آماله عن كل أحد ، ورفع ضرورته إلى الواحد الصمد ، وأخلص نيته الصادقة وقطع من الخلائق علائقه « 6 » ، ثم جاء الصياد فأوثقه وقصد به البلد فصادفه شخص فاشتراه منه وأعتقه .
--> ( 1 ) تحرك . ( 2 ) الإلحاح . ( 3 ) أي هز عنقه متكبرا معرضا . ( 4 ) حركته . ( 5 ) خبره . ( 6 ) نسبه وصلاته .